Connect with us

ثقافة

قردة الفرنسية وتطرف العربية

Published

on

وقعت الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان في 28 مارس الماضي إعلان مبادئ يمهد الطريق لتوقيع اتفاق سلام نهائي بين الطرفين، وقد وقع الاتفاق نيابة عن الحكومة رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، بينما وقع عن الحركة الشعبية، قائدها عبد العزيز آدم الحلو.

وتعتبر الحركة الشعبية واحدة من أكبر الحركات المسلحة التي استمرت في محاربة الحكومة السودانية في منطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق منذ ثمانينيات القرن المنصرم، وكانت قد دخلت في مفاوضات مع الحكومة الانتقالية الحالية إلا أن الحوار بين الطرفين ظل يراوح مكانه بسبب الخلاف حول قضية علاقة الدين بالدولة. 

وحسماً للخلاف حول تلك القضية، فقد نص إعلان المبادئ على (تأسيس دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية في السودان تضمن حرية الدين والممارسات الدينية والعبادة لكل الشعب السوداني، وذلك بفصل الهويات الثقافية والإثنية والدينية والجهوية عن الدولة، وألّا تفرض الدولة ديناً على أي شخص، ولا تتبنى ديناً رسمياً، وتكون الدولة غير منحازة في ما يخص الشؤون الدينية وشؤون المعتقد والضمير، كما تكفل الدولة وتحمي حرية الدين والممارسات الدينية، على أن تُضَّمن هذه المباديء في الدستور).

فور توقيع الإعلان أصدر الإخواني، عبد الحي يوسف، فتوى في إجابته على سؤال عن “حكم الشرع في توقيع البرهان على اتفاق مع رئيس الحركة الشعبية ينص على إقرار علمانية البلاد” ابتدرها بالقول (العلمانية تعني فصل الدين عن الحياة، ولا يستطيع عبد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقر بها أو يدعو إليها، اللهم إلا أن يكون جاهلاً بدينه جهلاً معيباً، أو أن يكون جاهلاً بالعلمانية وما تؤدي إليه، وكلا الصنفين موجود).

بادئ ذي بدء نقول أن كلمة “علمانية” لم ترد على الإطلاق في نص إعلان المبادئ الموقع بين الطرفين، ولكننا سنحاول في السطور التالية تفنيد الادعاءات المغلوطة التي حاول عبد الحي يوسف إلباسها للمفهوم.   

من ناحية أخرى، فإن فتوى عبد الحي لا تُعبِّر عن “حكم الشرع” بل عن فهمه الخاص للقضية، ومن الخطل المفضي إلى أمور في غاية الخطورة أن يعتبر التأويل الشخصي متطابقا مع مقصد الدين فالمحصلة الأخيرة لهذا التوجه ستكون اعتبار أي تأويل آخر خروجا على “صحيح الدين” وهو الأمر الذي يؤدي في خاتمة المطاف إلى ممارسة العنف والإقصاء والتكفير حيال ذلك التأويل المخالف.

العلمانية من الناحية الفلسفية تعني أن المعارف المطلوبة لتنظيم شؤون المجتمع السياسية والاقتصادية والقانونية ليست بالضرورة نابعة من الدين، وهي من الجانب السياسي تدعو لأن تقف الدولة على مسافة واحدة من جميع الأديان, وفي التجربة التاريخية رفضت العلمانية تغول الكنيسة (الدين) في شؤون السياسة.

إن الزعم بأن العلمانية تعني “الفصل بين الدين والحياة” هو قول ضال ومُضلِّل، فحقيقة الأمر أن الأخلاق المُستمَّدة من مصادر دينية هى أساس الحكم والقضاء والاقتصاد وباقي الأمور المتعلقة بالصالح العام ولهذا فإن الدين, كما يقول عبد الله النعيم, يتخلل جميع جوانب الحياة العامة للمجتمع، ولا يُمكن للعلمانية إقصاءه  عن الحياة العامة. 

يعلم عبد الحي يوسف الهارب من أجهزة العدالة في السودان والمقيم في دولة “تركيا العلمانية” التي أصدر منها فتواه أن رئيس وزراء ذلك البلد المحسوب على تيار الإسلام السياسي، رجب طيب أردوغان، قال أن (العلمانية لا تتعارض مع الدين بل تعني التسامح مع كافة المعتقدات من قبل الدولة، والدولة تقف من نفس المسافة تجاه كافة الأديان والمعتقدات و الدولة العلمانية لا تعنى دولة اللادين)، أما الدستور التركي لعام 1982 فقد عرَّف العلمانية بأنها (وقوف الدولة على مسافةٍ متساويةٍ من جميع الأديان).

أضاف عبد الحي في فتواه أن (العلمانية في الجانب التشريعي تعني فصل الدين عن الدولة, أو عن الحياة كلها، وهذا يعني الحكم بغير ما أنزل الله، والعلمانية في الجانب العقدي تعني الإلحاد أو التنكر للدين، وفي الجانب الأخلاقي تعني الانفلات والفوضى وإشاعة الفاحشة والرذيلة والشذوذ). 

تهدف العلمانية، بمعنى فصل الدين عن السياسة والدولة، وليس إقصاء الدين عن المجتمع والحياة، إلى جعل الدولة محايدة تجاه القضايا المتعلقة بالدين، وبهذا المعنى فهي تشكل أساس الدخول للحداثة وأساس تحقيق الديمقراطية ولا يمكن للحرية أن تقوم بدونها، ذلك لأن غيابها يسمح بحضور سلطات دينية إقصائية تفرض على الناس الأخذ بدين معين، كما أنها، أي تلك السلطات، تدَّعي أن رؤاها الأيدولوجية ومواقفها السياسية مستمدة من سلطة مقدسة متعالية غير قابلة للمناقشة والمراجعة، وهو الأمر الذي شهدناه في السودان طوال 30 عاما من حكم الإخوان المسلمين.

وإذ تُعتبر العلمانية شرطاً لازما لتحقق الديمقراطية، أي أن النظام الديمقراطي لا بد أن يكون علمانيا بالضرورة، إلا أن العكس ليس صحيحا في جميع الأحوال، حيث أنه من الممكن أن يكون النظام العلماني ديكتاتوريا مستبدا، ويجدر بنا في هذا الخصوص الإشارة إلى تجارب دول مثل الاتحاد السوفيتي السابق والصين وكوبا.

الإدعاء بأن العلمانية تعني “الإلحاد أو التنكر للدين” لا يعبر مطلقا عن الحقيقة والواقع، ذلك لأنه يتوجب عدم النظر إلى مفهوم العلمانية كنسق واحد نهائي، إذ أنها تنشأ متأثرة بمعطيات كل مجتمع وتختلف باختلاف السياقات الاجتماعية والتجربة التاريخية وبالتالي فإن خصائصها تتفاوت من بلد لآخر.

فإذا كانت اللائكية الفرنسية قد نشأت في تضاد مع الكنيسة بسبب سلطة الأخيرة الكبيرة وبسبب وقوفها ضد الثورة, فإن العلمانية البريطانية لم تدخل الدولة المدنية في صراع مع الكنيسة بل أن الملك في بريطانيا يظل رمزيا رأسا للكنيسة, و في الولايات المتحدة الأميركية حرصت الدولة المدنية على حماية الدين من أي عدوان عليه. أما فيما يلي إعلان المباديء محل النقاش فقد أشار بوضوح لا لبس فيه إلى أن الدولة (تكفل وتحمي حرية الدين والممارسات الدينية).

إن إدعاء عبد الحي يوسف أن العلمانية ( في الجانب الأخلاقي تعني الانفلات والفوضى وإشاعة الفاحشة والرذيلة والشذوذ) هو إدعاء تكذبه حقائق الواقع في المجتمعات التي تطبقها، وهو ليس سوى فزاعة يستخدمها لتهييج مشاعر البسطاء، ولكن فات عليه أن مثل هذه الترهات ما عادت تنطلي على الناس بعد أن جربوا حكم الأخوان الفاشستي وعايشوا فيه الإنتشار غير المسبوق للفساد والرشوة والمحسوبية وتعاطي المخدرات وجرائم الاغتصاب والأعداد الهائلة للأطفال مجهولي الأبوين وغير ذلك من الأدواء الإجتماعية ! 

خلص عبد الحي في ختام فتواه إلى أن إعلان المباديء (باطل شرعاً من جهة إقراره لأمر من المحرمات القطعية بما يستلزم من تنازل عن تشريعات سماوية ليس للعباد خيار في قبولها أو ردها, ثم إنه باطل قانوناً من جهة أن هؤلاء  “يعني الموقعين على الإعلان” ليسوا مفوضين ولا منتخبين, بل هم لصوص متغلبة).

خطورة إصدار فتوى تخلص إلى أن إتفاق إعلان المباديء “باطل شرعا” تتمثل في أن بعض المتلقين للفتوى سيسعون للعمل بها لايقاف ذلك الباطل تطبيقا لحكم الله، وهذا ما سيقود لأمور لا تحمد عقباها، ولا يستبعد أن نرى مشاهد العنف والتفجير والقتل التي نشاهدها كل يوم في بلاد عربية وإسلامية تتكرر في السودان، وهذه دائرة شريرة لا تنتهي إلا بتمزيق الوطن وتشتيت قواه و بعثرة شعبه.

من المعلوم أن الشاب الذي قام بطعن الروائي المصري الراحل نجيب محفوظ بقصد اغتياله اعترف بأنه لم يقرأ حرفا واحدا مما كتبه نجيب محفوظ، ولكنه سمع قول الدكتور عمر عبد الرحمن مفتي الجماعات الاسلامية بأنّه (من ناحية الحكم الإسلامي فسلمان رشدي الكاتب الهندي صاحب آيات شيطانية ومثله نجيب محفوظ مؤلف أولاد حارتنا مرتدان وكل مرتد وكل من يتكلم عن الإسلام بسوء فلابد أن يقتل ولو كنا قتلنا نجيب محفوظ ما كان قد ظهر سلمان رشدي). أما قاتل الدكتور فرج فودة فقد كان رجلاً أميَّاً لا يقرأ ولا يكتب، وقد قال في المحكمة أنه قتله لأنه سمع بفتوى جبهة علماء الأزهر التي اتهمته بالردة وأوجبت قتله.

أما وصف عبد الحي  للموقعين على إعلان المباديء بأنهم مجرد “لصوص متغلبة” فهو وصف مردود عليه حيث أن الحكومة الإنتقالية الحالية في السودان قد جاءت بتفويض شعبي غير مسبوق من قبل الملايين الذين خرجوا للشوارع لإسقاط نظام حكم جماعة الأخوان التي إستولت على السلطة بالإنقلاب العسكري وكان عبد الحي يوسف من أكثر رجال الدين المستفيدين من ذلك النظام الذي أغدق عليه الأموال الطائلة وهو الأمر دفعه للهروب إلى تركيا بعد إندلاع الثورة خوفا من ملاحقة الأجهزة العدلية.  

إن الفتاوى الدينية في القضايا العامة المرتبطة بأمور السلطان والحكم، ومن بينها فتوى عبد الحي يوسف حول إعلان المباديء، هي في حقيقتها “رأي سياسي” يتدثر برداء الدين والسبب في اللجوء اليها هو خلق نوع من المشروعية ومحاولة صنع إصطفاف جماهيري حول موقف و توجه سياسي معين.

Source Link

Continue Reading
Advertisement